المؤتمر الوطني العاشر للنقابة الوطنية للتعليم (ف. د. ش) تحديات المرحلة

عبد العزيز منتصر

تعقد النقابة الوطنية للتعليم (ف. د. ش) مؤتمرها الوطني العاشر بمراكش تحت شعار “معا أقوياء”، وهو ثاني مؤتمر وطني ينعقد بعد وفاة المهندس والمعلم النقابي الكبير عبد الرحمان شناف الذي يعد مدرسة في التدبير النقابي، ونموذجا للقائد النقابي الحريص على قوة ووحدة النقابة الوطنية للتعليم، والمتشبع بمبادئها التقدمية والديمقراطية والحداثية، والمؤمن بقواعد الاختلاف والتنوع داخل الوحدة. كما ينعقد المؤتمر الوطني العاشر بعد فقداننا للمناضل المخلص المتفاني في خدمة أهداف وتوجهات النقابة الوطنية للتعليم الأخ الفقيد فاضل الفوال، شأنه في ذلك شأن العديد من الأطر النقابية والقياديين من أمثال الفقيد محمد المسعودي، ومناضلين اَخرين مازالوا على قيد الحياة، وبصموا الحياة النقابية ببصماتهم الكبيرة من أمثال الطيب منشد- محمد صبري – عبد الهادي خيرات – محمد ستوتي – عبد السلام بن صالح… وغيرهم كثيرون ويعدون بالعشرات في مختلف المدن والأقاليم والجهات.

إن استحضاري لهذا الجيش من المناضلين الذين ترعرعوا في كنف النقابة الوطنية للتعليم والذين ساهموا في بناء هذا الصرح النقابي العتيد، يأتي بخلفية ضرورة القراءة التاريخية لمسار تطور البناء التنظيمي للنقابة ولإنجازاتها في الحقل التعليمي سواء تعلق الأمر بمكتسبات الشغيلة التعليمية أو بالدفاع عن تعليم عمومي وطني ديمقراطي شعبي ومتقدم، وبالمساهمة في الحركة النقابية المغربية والعربية والدولية. هذه القراءة التاريخية التي يجب أن توصلنا إلى تحليل الوضع النقابي الحالي في ظل تركيبة بشرية من المناضلات والمناضلين، منهم من عايش جزءا من التجربة مع الرحيل السابق والجزء الأكبر من اللاحقين الحاملين لمشعل النقابة الوطنية للتعليم في ظل تحولات عميقة حملتها رياح العولمة والنظام الليبرالي الجديد.

لقد شهدت الحركة النقابية المغربية التقدمية منذ نهاية الثمانينيات التي تؤرخ لانتهاء الحرب الباردة، حتى بداية الألفية الثالثة، مرحلة صراعات داخلية وانشقاقات أدت إلى حدوث نزيف أضعف اَداءها وجعلها غير قادرة على مواجهة تحديات توجه النظام نحو بلقنة المشهد النقابي، وبروز حركات

سياسية محافظة إسلاموية اقتحمت بدورها الحقل النقابي وأصبحت تتقدم بقوة خاصة في الحقل التعليمي، لتصبح من النقابات الأكثر تمثيلية على مستوى الجهات وعلى المستوى المركزي.

ينضاف إلى هذا الوضع الأزمة الهيكلية العميقة التي تشهدها المنظومة التعليمية ببلادنا، والتي تسعى الحكومة إلى تصريفها على حساب الشغيلة التعليمية بالزيادة في الأعداد واكتظاظ الأقسام واستمرار العمل بالساعات الأسبوعية المضافة، والتضييق على الحريات والتراجع عن المكتسبات الخاصة بالرخص الاستثنائية ورخص المرض والالتحاقات بالأزواج والحركة الانتقالية، وضرب مبدأ تغيير الإطار والترقي بالشهادات، والتراجع عن التكوين المستمر، إضافة إلى عدم الاعتناء بظروف العمل وخلق أجواء التوتر والعنف داخل المؤسسات التعليمية. وفي الجانب الاَخر فإن أزمة المنظومة التعليمية تنزل بثقلها على التلاميذ الذين يعانون من تدني جودة التعليم بسبب رداءة البرامج وحذف التفويج وانتقاص ثلث ساعات التحصيل الأسبوعية في مواد اللغة العربية واللغة الفرنسية والرياضيات، وحذف مادة التاريخ والتربية الوطنية من الابتدائي ومادة الفلسفة من الثانوي، وعدم مراجعة نظام التوجيه التربوي ونظام الامتحانات، وتضييق الولوج إلى المدارس والمعاهد العليا، واستمرار غض الطرف على إشكالية لغة التدريس للمواد العلمية.

إن هذه التحديات كلها، إذا ما أضيفت إلى ضعف الانتماء النقابي في وسط الشغيلة التعليمية، وتراجع التأطير النقابي والتنشيط النقابي داخل المؤسسات التعليمية، ليجعل مهمة النقابة الوطنية للتعليم أكثر تعقيدا وتتطلب أكثر من أي وقت مضى ضرورة التدقيق في استراتيجية العمل وإعطاء إجابات واضحة حول الإشكالية المطروحة تنظيميا وتعبويا وتأطيريا، ووضع اَليات الاشتغال الكفيلة باستثمار الموارد البشرية والمالية للنقابة وباستثمار رصيدها النضالي.

هذا إلى جانب العمل على تقوية الوحدة النقابية الداخلية بنبذ كل تدبير حلقي وإقصائي للشأن النقابي وإغناء التنوع داخل النقابة الوطنية للتعليم وتشجيع الكفاءات والفعاليات النقابية الديمقراطية، كما هو مطروح على النقابة الوطنية للتعليم تفعيل المبادرات الوحدوية والمساهمة فيها بكل روح إيجابية إيمانا منها بأن قوة الحركة النقابية تكمن في وحدتها.

إن المؤتمر الوطني العاشر للنقابة الوطنية للتعليم (ف. د. ش) يجب أن يشكل محطة انطلاق جديدة، تعطي إشارة قوية عن وعي المؤتمرات والمؤتمرين بدقة المرحلة التي تمر منها بلادنا، وبالخطر الذي أصبح يهدد الفئات الشعبية ليس فقط في قوتها اليومي بل في حقوقها الأساسية كالتعليم والصحة والشغل والحريات الديمقراطية، وأن يكرس المؤتمر مبدأ ارتباط الحركة النقابية التعليمية بالحركة النقابية العمالية وبحركة التحرر والديمقراطية والاشتراكية، وهذا لن يتأتى إلا بالتقييم الموضوعي لتجربتنا وبتكريس مبدأ النقد والنقد الذاتي والتحليل الملموس للواقع الملموس.

إن التقييم الموضوعي لتجربتنا ما بين المؤتمرين لا بد أن يوصلنا إلى الوقوف على بعض السلبيات والممارسات المرضية، من مثل القرارات الفردية ومحاولات التحكم البيروقراطي في الحركية النقابية والنضالية والتعبوية للأجهزة التحتية، وتجاوز القوانين التنظيمية وتهميش مبدأ القيادة الجماعية.. إنه التقييم الموضوعي الكفيل برسم خارطة الطريق لبلوغ الأهداف الكفيلة بتحقيق انتظارات النقابيات والنقابيين وانتظارات الشغيلة التعليمية بكل فئاتها.

إن نجاح المؤتمر الوطني العاشر للنقابة الوطنية للتعليم (ف. د. ش) كفيل بالابتعاد عن التوجهات النمطية والتوجه نحو المستقبل بكل تفاؤل وعزم، وهذا مضمون بالإرادة الجماعية لعضوات وأعضاء المؤتمر شبابا ونساء وذكورا، وهو في نهاية المطاف نجاح للحركة النقابية المغربية.

Advertisements