الإدارة التربوية بين ترك الحرية وتأطير المسؤولية

ذ. بولحية الحسين

لعل أهم ميزة في الفكر القانوني، بحسب المختصين، هو انفتاحه على تنظيم العلاقات في جميع مستوياتها، مما أهل تشريعاته إلى أن تكون الحجر الأساس في حياة المجتمعات.

وقد ربطه هؤلاء بمجال التنمية، وحصروا فعل تحققها بإصدار تشريعات تحدد المساهمات والمبادرات في الإطار العام والخاص. ومن حسن الصدف أن المغرب يعيش حاليا على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي لاشك فلسفة جديدة ينبغي لها أن تسائل ميادين وبيداغوجيات قديمة لتستقر –هي- بشكل علمي وإنساني حقيقي، وما يحركها هو الإصلاح وجعل فلسفتها تندمج بعواطف الناس حتى تصبح فكرتها فكرتهم.

والمبادرة في حقيقتها –أية مبادرة- لا تبنى على مبدأ السبب الوحيد بل هي ترى الحل في هذا وذاك.

وما كان لميثاق التربية والتكوين أن يخرج على هذا فهو، وإلى جانب المعطيات والإفرازات الأخرى، وليد النظام الإداري المغربي القائم على نظام “اللامركزية واللاتمركز” ولأجله فهو صلة ترابط عميق وأساسي وثابت ينظم مختلف أوجه القضايا بخاصية موضوعية تراعي مبادئ التنظيم والتوجيه والضبط والتسيير الصحيح لتحقيق البرامج والسهر عليها.

والحديث عن آليات ميثاق التربية والتكوين ليس مجرد حذلقة كلامية أو افتتان في ابتداع الكلمات المغربية بقدر ما هو مرتبط ارتباطا وثيقا بعملية “تنمية” الممارسة التربوية في كليتها. وتعضيدا له، جاء النظام الأساسي لرجال ونساء التربية والتكوين بروح مواكبة للمستجدات التربوية ومتطلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وجعل الهياكل تترابط وتتناسق تفعيلا وإشراكا لكل القنوات، وجعلها أكثر انفتاحا على محيطها.

وقد استدعت كل هذه التدابير مراجعة أساليب وطرق التنظيم والتدبير العام بهدف ليس العقلنة والرفع من المردودية فحسب بل لتحسين الجودة كما وكيفا.

لكن، ومع ذلك فإن هذا المنظور الجديد لم ترافقه من حيث القعر التشريعي والقانوني إجراءات تجسيدية تعزز مكتسبات هذه النظرة في كليتها. إذ وعلى غرار نظام 1985 لا نجد النظام الأساسي الحالي ينص على هيأة الإدارة، باعتبارها، كما يقول العارفون، عصب العملية التعليمية/التعلمية، ورأس التصميم الإداري الموصف بتبقرطه.

فمع أن هياكل الإدارة المغربية عامة يعود إرساء قواعدها إلى الإصلاح الإداري لعام 1967 وإلى دستور 1972، فإن ما توالى من إصلاحات لم ينتبه إلى الإدارة المدرسية الابتدائية التي بقيت إلى يومنا هذا تعيش أحوالا تعتيمية لم تستطع معها بعد فرض شخصيتها التشريعية والقانونية، بل هي ودائما إدارة قديمة في ثوب جديد.

وعلى هذا فالنظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية وعلى قاعدة أن الخاص يقيد العام، فإنه ينص في مادته الأولى “1” على الهيآت التالية:

1/ هيأة التأطير والمراقبة التربوية

2/ هيأة التدريس

3/ هيأة التسيير والمراقبة المادية والمالية

4/ هيأة التوجيه والتخطيط التربوي

5/ هيأة الدعم الإداري والتربوي والاجتماعي

والملاحظ أن هذه الهيآت لا تتضمن هيأة الإدارة. وقد يعتقد البعض أن هيأة الإدارة تجد مكانها الطبيعي ضمن الهيأة الأولى أو تحت بند هيأة التسيير والمراقبة، إلا أن ذلك غير وارد بحيث وزيادة على غيابها كهيأة مستقلة تتمتع –كباقي الهيآت- بغلافها القانوني والتشريعي، نجدها مقحومة في ثنايا هيأة التدريس مع أن من يزاول مهمة الإدارة التربوية يحمل في بطاقته الوطنية مهنة “مدير”.

وفي اعتقادنا وبالنظر إلى الخبرة المتواضعة التي اكتسبناها من العمل الميداني، فإنه ما لم يتم الانتقال وبشكل تشريعي وتنظيمي من الهيكلة الإدارية الموروثة القائمة على نظام “المدير/الفرد” إلى هيكلة إدارية جديدة “هيأة الإدارة/بالجمع” تستجيب للتوجهات ومتطلبات المدرسة الجديدة، فإن كل طموح أو حديث عن التوجه الجديد للإدارة المدرسية يبقى رهين الأدبيات والندوات واللقاءات التي تنظم على أقليتها، وما يتعداها على استحيائها يصطدم بالواقع المتكلس والسابق على الإدارة أحيانا أخرى ما يجعل الإدارة المدرسية تقف في آخر صف التحديث، وتنهال عليها سهام الاتهامات، مع العلم أنها في حلي في أحيان كثيرة مما يوجه إليها.

إن ما نوده هو انتقال إداري، وليس مديرون/أفراد، انتقال إلى إدارة مواطنة، حداثية تقدر الواجب، إدارة اقتراحية لها القدرة على طرح البدائل والتجسيد العملي لفعل الشريك، إدارة تتمثل الحقائق السياسية والاجتماعية والثقافية، والتحديات والإكراهات والمتطلبات لجعل الممارسة التربوية إطارا ديمقراطيا متشبعا بكافة الحقوق والواجبات، ومنتجا لممارسة تربوية سليمة ومسؤولة، انتقال من أسر ابستيمولوجية تقليدية حيث يقر النص التشريعي المدرسي نفسه بصعوبة تحمل فرد واحد في ضوئها مسؤوليات عدة، فكيف الحال ومطالبة هذه الفرد الواحد بالإبداع والمبادرة والإنتاج وتحسين الجودة، إذ ينص في ص 214 على “عسر وصعوبة قيام شخص واحد بمهام متعددة ومتباينة” والحالة أنه وكما يقول النص نفسه “أنه كلما تعددت وتنوعت المهام قلت الإنتاجية كما وجودة فما بالك إذن والنص ينيط بمهام شخص المدير التسيير الإداري والتأطير التربوي والتنشيط الاجتماعي و……

وكل مسؤولية من هذه المسؤوليات تحمل تحت طياتها مجموعة كبيرة من المهام والأدوار، ومن دون أي سند أو عون لا قانوني تشريعي أو بشري، في حين أن العملية الإدارية من بين أهدافها الأساسية التسيير الصحيح وربط علاقات عامة ناضجة…

إن هذا، وغيره، هو ما حدا بنا إلى التركيز على الإدارة كمهنة وليس على شخص المدير كفرد، لأنه في توزيع السلط بين عدد من المسؤولين يكون بعضهم لبعض توازنا وتآزرا، ويخلف بالتالي إشباعا لحاجات عامة الناس، ويحقق آليات التوافق المهني، فتشكل بذلك الإدارة الابتدائية على الخصوص، وطبقا لهذا التصور المتواضع جهدا تعاونيا بين كل العاملين، لأن أحداث نقلة الانتقال من الإدارة المدرسية التقليدية الساهرة على نظرة تشريعية جديدة تستوعب اتساع مجال المدرسة واندماجها في شريحة التدبير بدل التسيير هو انتقال من “النص والسلطة” إلى السياق العام انتقال إلى نظام شبكة قانونية جديدة تنطلق من النص وتعود إليه لتأسيس جدلية متنامية ليس ذاتية ولكن مهنية فعلى قلة أو ضعف ما يتعلق بالإدارة المدرسية من تشريعات فهي توصف بغورها في سكونية مطلقة، تؤسس الحياة الإدارية وتموضعها في بنية تركيبية محكومة باختيارات انطباعية وبخلفية معرفية وإيديولوجية وشخصية أحيانا تجعل من شخص المدير الوسيط الذي لا تتعدى مهامه نقل تصورات الآخر وتنفيذ تعليماته.

وهذا ما لا يتماشى وتغيير نظام العلاقات المألوفة بإقامة علاقات جديدة محكومة بواقع جديد، واقع يسهم في إكساب المرفق العمومي مسحته الإيجابية تعبيدا لطريق المستقبل. وهو التحدي الجديد الذي يركبه مدير ومديرات التعليم الابتدائي من أجل تقدم الوطن وتوفير أسباب ازدهاره ونمائه اعتمادا على مكونات ذاتية تناور في ذلك الهامش المخصص للمبادرة وللتكيف مع معطيات اللامركزية واللاتركيز.

وعليه فمطلبنا هو تعميم النظرة الحداثية الشمولية لكل مكونات وآليات الممارسة التربوية والنظر إليها باعتبارها كلا لا أطرافا أي “مركبا un Complexe” ينبغي صيانة وتحديث كل آلياته بما في ذلك إدارته المدرسية

وللمساهمة نضع التصور التالي:

1/ وضع إطار قانوني يستجيب لمتطلبات التدبير الحديث بعيدا عن آنية المراسيم والقرارات

2/ تحرير النظام الإداري الحالي من نظام الأسلاك، من خلال فتح

2-1: إمكانيات تدرج مديري المؤسسات من ابتدائي، إعدادي، ثانوي تأهيلي اعتمادا على الكفاءة والمؤهلات توضع لأجل ذلك.

3/ تمكين المدرسة الابتدائية من هيأة إدارية وليس من مدير خاصة وأن التشريع المدرسي نفسه يقر بتعدد المسؤولية حين يعترف ب “مدير – مقتصد – ناظر…”

4/ تمكين المدرسة الابتدائية من موارد مالية تكفل لها الانفتاح والمنافسة وتحسين عملية التمدرس/المنتوج.

5/ تمكين مدير المدرسة –الحالي- من تعويضات مهمة لأجل اجتذاب الأكفاء وتشجيعا لقيامه بالمسؤولية بأمانة.

نعم إن المسؤولية معرفة، إذ إذا كنا لا نعذر أي أحد بجهله للقانون فما بالنا بالإنسان المسؤول الذي يجب عليه وبحكم القانون أن يكون ملما بالمبادئ والأسس النظرية للوظيفة الإدارية وبعناصرها المختلفة، على قاعدة أن كل استعمال سيء للسلطة يسبب مشكلة.

وبنفس القدر فكل استعمال للحرية يسبب مشكلة أيضا.

والسلطة لا تعني –هنا- البرمجة، بل بقدر ما هي “ترك للحرية تأطير للمسؤولية“.

فلا ارتقاء بتغيير للوضعيات دون تغيير في العقليات، ولا ارتقاء بجودة وبحكامة جيدة، حين يصبح الكلام عن الجودة تغطية حقيقية عن الإشكالات الأساسية التي تعيشها بعض هياكل الممارسة التربوية.

بحيث” لا ندري هل الإدارة المدرسية –في المنظور الحالي- تمثل قيمة مضافة أم قيمة مكلفة زائدة –فضلة؟ !

نقول هذا، ونحن نطالع المراسلة الوزارية رقم 139946 الصادرة بتاريخ 28 نونبر 2005 في موضوع: “إعادة الإدماج” عن مديرية الموارد البشرية وتكوين الأطر، حيث تحدد الفئات والإجراءات التي يمكنها الاستفادة من مقتضيات المادة 109 من النظام الأساسي الحالي.

وهذه الأجرأة تؤكد وبالنص ما ذهبنا إليه بحيث تترك الإدارة المدرسية جسما نشازا في الممارسة التربوية حيث تبقيها في منزلة بين المنزلتين.

Advertisements