نحو بناء نقدي تربوي

ذ. الحسين بولحية

اقتراح أرضية:

* لا يجادل أحد في أن قضية التربية والتكوين، قضية وطنية كبرى تهم المجتمع بأكمله، وتتطلب انخراطا جديا من طرف كل الفاعلين في هذا الحقل، سواء تلك التي يقع على عاتقها التنفيذ المباشر، أو تلك القوى التي تعتبر الشريك الأساسي في التأطير وحماية المهنة.

* ولما كان المغرب يشهد، ومنذ بداية أوائل التسعينات من القرن الماضي، إرهاصات تحول عميقة في بنيته المعرفية والسياسية، فإنه لم يعد بإمكان أي من المعنيين بالأمر التغاضي عن ذلك، حيث أصبح طبيعيا أن يطال هذا التحول مجال التربية والتكوين، ويفرض نفسه عليه سواء كواقع حقيقي أو كرجع صدى.

* وهكذا فإن المناخ الذي ظهر فيه الميثاق الوطني كأولى خطوات الإصلاح والبرمجة باعتباره خلاصة توافق، مناخ لم تعد فيه الحاجة إلى تجاوز “التعليم الموروث” –من بعض جوانبه- منذ عقود خافية أو محل جدل كبير عند أغلب المهتمين، إذ ما يبرر هذه الحاجة ويدعو إليها –كما نعتقد- أمور عدة.

* أولا: إن ما شهده الواقع الاجتماعي والثقافي المغربيين في العقود الأخيرة من القرن الماضي من تطور نوعي في أشكال إبداعه وتنويع في أساليب أدائه، بات معه من غير سائغ التمسك بمناهج تعليمية عتيقة لما قد يؤول إليه من تباعد الشقة بين واقع اجتماعي متنامي (سابق) وأجهزة تعليمية أظهرت التجربة محدوديتها وقصورها عن استنطاق هذا الواقع وإبقائه، بالتالي، ساكتا مستغلقا لا يفهم ولا يبوح بخصوصيته.

* ثانيا: إن هذا التعليم قد استنفذ طاقته في البحث وقدم أقصى ما في وسعه تقديمه، واتضح عجزه في معالجة الواقع والتجاوب معه وهكذا لا يستطيع أحد اليوم إنكار التطور الإيجابي الذي عرفه مجال التربية والتكوين في العقد الأخير من القرن الماضي في المغرب انطلاقا من تظافر عوامل عديدة مختلفة ومتكاملة بعضها ذاتي وأغلبها موضوعي.

–       فالعوامل الأولى تتمحور حول المؤهلات العصرية والمعرفية الخاصة برجال التربية والتكوين أنفسهم والجهود المثمرة التي يبذلونها في هذا المجال.

–       في حين تبقى العوامل الأخرى، وبالرغم من موضوعيتها، ملتبسة وغامضة بفعل تعددها وتنوع مصادرها ويمكن تصنيفها إلى مستويين مختلفين ومتكاملين:

  1. 1.     المستوى الوطني الداخلي المتمثل في التغيرات النوعية التي طبعت مشهد التربية والتكوين في المرحلة الأخيرة وما صاحبها من آثار إيجابية هامة في تفعيل الدينامية التعليمية الوطنية عامة والدفع بها إلى الأمام من خلال:

     توسيع البنية التحتية

     اتساع رقعة المتعلمين.

     اتساع أنشطة التعليم غير النظامية

     الاستقرار الاجتماعي (السلم الاجتماعي)

لكن هذه العوامل تبقى على أهميتها قاصرة ما لم تؤطر بشروط مساعدة على المستوى الوطني، على اعتبار أن مجال التربية والتكوين هذا شأن الجميع، واعتبار ذلك بمثابة العمق الاستراتيجي الحاضن والمساهم في إخصابها.

* ثالثا: وإلى هذه العوامل النابعة –جدلا- من مقتضيات داخلية يجوز أن نذكر عاملا ثالثا خارجيا يتمثل في استجابة الأطر البيداغوجية العليا التقائية لما يصدر في “الغرب” المتفوق ونزوعهم إلى استهلاك ما ينتجه من مناهج وطرائق وأساليب كاستهلاك ما نتلقاه من “بضائع” أحيانا.

– أما الآن وقد أسهمت هذه الوقائع في ميلاد الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وجعلته واقعا ملموسا يتعامل معه بشيء يكثر أو يقل من التلقائية، فقد أضحى حضوره لا يلقى معارضة أو يوضع موضع سؤال حتى من قبل الدارسين الأكثر تشددا.

– ومن ثم فإن هذا التسليم يجعلنا أمام أسئلة من طبيعة:

1)     هل مثل هذ الميثاق بكل مكوناته أفقا معرفيا وتربويا شكلت قطيعة مع نواقص الماضي؟؟

2)     هل مثل مرحلة انتقالية فعلية؟

3)     هل كان التعليم قبله يعيش بلا تاريخ؟ بلا موضوع أو أنه كان فقط يعيش على السياسة وهي –السياسة- وعلى رأي العارفين، مهلكة لكل ما اختلط بها؟؟

–       إن الدوائر الرسمية تعده طليعة الممارسة التربوية في المغرب وإن الإصغاء إليه ستكون له نتائج مؤثرة بحيث يمكن أن يؤدي إلى تغير حاد في النسق الفكري والتربوي للممارسة التعليمية/التعلمية.

–       لكنه وإذا صح ما أوثر عن أرسطو من قول بأنه “لا يعرف ما الحقيقة، لكنه يعرف ما الخطأ”، بات من الطبيعي والضروري أن نقف وبعد مرور ما يزيد على نصف العشرية من بداية هذه التجربة وأن نتفحص ما حققته من نتائج، ونتساءل هل أمكنها إنجاز –فعلا- ما انبنى عليه مشروعها من تطوير لآلة التربية والتكوين؟؟.

–       فإن كانت الإجابة بالإيجاب (وهي كذلك من بعض وجوهها) فكيف ينجلي ذلك؟ وما هي مواطن قدرة وكفاءة هذه التجربة؟؟

–       وإن كانت الإجابة بالسلب (وهي لا محالة كذلك) فما هي العوائق، وهل هذه العوائق نابعة من واقع المحيط الاجتماعي أم من طبيعة التجربة التعليمية الجديدة ذاتها؟ وبالتالي ما هي الشروط الواجب توفرها لتجاوز مواطن القصور أو الخلل في هذه التجربة وتداركها؟؟.

–       وإذا كنا لا نروم أن يكون هذا المدخل قراءة تعيش على السياسة بل قراءة تطالب المعنيين بالأمر توظيف مفاهيم علمية نتبين من خلالها النواقص النظرية والغوامض الاصطلاحية و…

فإننا نرى أن أولى الإيجابات هي القدرة والمهارة على كتابة نقد وإزاحة موقف التقديس عن المادة المعطاة، خاصة بعد أن “صلب عودها” وأضحى التعامل معها لا يثير سخطا ولا صخبا واعتبارها بالتالي كسائر تجارب الممارسات التعليمية السابقة خاضعة لحكم التاريخ ولحكم القيمة، ومقياس هذا الحكم مدى ما يسهم به هذا الضرب من التجربة في تطوير التربية والتكوين وتحقيق تقدمه المنشود، قبل أن تتراجع وينحصر ظلها وتأخذ طريقها إلى مصيرها المحتوم وهو الانزواء في ظلال التاريخ.

وعليه ومن ثم ونحن الذين نلح على حدوث التواصل بين كل مكونات الممارسة التربوية، وإذا ما انتقلنا منه –التواصل- باعتباره معرفة إلى التواصل كمطلب يجب توظيفه في التعامل بين تلك المكونات فإننا نقف عند عسر هذا التواصل وعند غيابه بالرغم من حضور الرغبة في ذلك حيث يبقى بطاقات معلقة على حقائق فقط لأن طبيعة التواصل هي طبيعة تشاركية، بمعنى أنه لا يتم إلا وفق شروط وقواعد متبادلة بين مرسل ومرسل إليه وقناة أقلها أو أهمها القراءة والفهم، فهذه بالنسبة لنا هي المعرفة النقدية التي ينبغي أن تبنى على التمحيص والتدقيق، وعلى تقريب لشطري الدال والمدلول، إذ ما يهمنا هو التوحد بين النقد والنص المنقود باعتباره مشارا إليه، ومن دون سرقته.

وقد استقام عندنا أن أسلم الطرق وآمنها التزام الموضوعية والأمانة في التقديم وإيفاء حق المنتجين في التعريف بأعمالهم، قيام ندوات وحوارات مشتركة تركز على تحليل معالم المدونة النصية المعنية  إيفاء أولا لحقها علينا بإبراز إسهامهم في تطوير نصوص تعليمنا وتجنبا للأحكام المطلقة المبتسرة، المقتصرة على إبداء الموقف بالاستحسان أو الاستهجان، وتتبع مراحل التجربة المعنية بالنقد في منعطفاتها في شيء غير قليل من الصبر والأناة، وتناولها بالتقويم الصارم ليقترح بعد ذلك طريقة بديلة أو دونها قيمة، مما قد ينهض شاهدا على أن الناقد ليس أقل بالضرورة من المعني بالنقد –أو المشار إليه- وإن آلته قد تقصر عن مطاولته متى أقبل على الموضوع نفسه يعالجه.

–       والواقع أن هذه الرغبة (النقد) قد تكون غير غائبة، لكن على المعنيين بالأمر جمع هذه المواد واستثمارها في دراسة أكاديمية سعيا إلى الإفادة والتخلي بالتالي عن المادة/المواد التي لا تضيف لنا شيئا ذا بال في مستوى الغاية المستهدفة والنتائج المستخلصة متى وضح أن ما وضعناه نصب أعيننا لا يخص الممارسة التعليمية الجديدة في ذاتها، إنما في كيفية تعامل مبدعي هذه المواد (الكتب) مع المفاهيم والتصورات الجديدة المستلهمة من المناهج الحديثة والمعاصرة، بمعنى هل تعكس برامج ومناهج جديدة؟ وبالقياس إلى ماذا هي جديدة؟ وهل بوسعنا ضبط حدود هذا التجديد، وحصر معالمه؟؟

ما مدى الطاقة الاصطلاحية لهذه النصوص من حيث اغترافها من الواقع المعيش للمتعلم؟ ما مدى تجسيدها لمحيطه؟ ما مدى تعبيرها عن الطبيعة البشرية وعن نواحي محددة بين الكوني والمحلي؟

      ما مدى عكسها للقيم الإنسانية، قيم المساواة وحقوق الإنسان هل تحفز المتعلم على التفكير العلمي والحقوقي والواجباتي؟؟ هل توظف نتائج الدراسات اللغوية كمخارج الحروف مثلا؟ وبشكل أساسي ما ذهنية الكتابة في هذه النصوص الكتب؟ هل هي نصوص اقتباسية أم نصوص مبدعة؟؟ ما طبيعتها هل هي حوارية، هل هي حكائية/سردية هل هي إخبارية؟؟، ما مدى حضور الفعل الذاتي للمتعلم في بنائها خاصة وأن البحوث الحديثة والمعاصرة تعتبر أن أية بيداغوجية مبنية على الحفظ والاستظهار لا تعلم لغة، وإنما تنتج لغة ناقصة مصطنعة تقف في نهاية الأمر عند النقل وهي معاناة تعليمنا أساسا.

هل صحيح أن ما يروج في الأغلب الأعم من الكتب المدرسية تناقض نفسها على عدة مستويات، وتحتوي ثغرات ومواضع صمت وغياب؟…إلخ.

هل المطلوب فعلا إعادة قراءة هذه الكتب بطريقة “أعراضية” قراءة من شأنها أن تكشف عن الأبنية اللاواعية الخفية عن طريق تفسير التحولات والتناقضات والأغلاط (إن كانت) فننتج بذلك نصا محايثا/جديا، قراءة تقوم على إقصاء وإعادة بناء بشكل يستجيب للمعطيات التي تستحضر شبكة المواد المكونة لهذا المقرر وتعلقن بالتالي مختلف “الإبداعات” التربوية داخل إطار لكسيمي يحدد للخطاب هويته.

ألا يمكن لهذه القراءة أن تمتد إلى دراسة البنية السيكولوجية لشخصية هذه “البرامج والمناهج” ودراسة أصولها وتاريخها وإلقاء الضوء بالتالي على أسلوب الإقحام والتصور والبحث الذي دخلت به هذه البرامج والمناهج والانتصار إن كان مطلوبا لثباتها لا لتثبيتها. وإذا كنا نؤمن بالفعل الموضوعي فإنه يتوجب علينا الإيمان:

1)     انهيار مقولة الكتاب الوحيد وتأثير إيديولوجيته في العدد الكبير من رجال التربية والتكوين وتخليص الخطاب التعليمي من التصورات الانعكاسية والإسقاطية الخارجية السابقة.

2)     وبالمقابل البحث في كيف يسهم هذا الجيل بإرثه التربوي في الجيل الصاعد.

3)     اعتبار المسؤولية التربوية من أعقد المسؤوليات، خاصة وهي تهدف إلى إكساب المتعلم مبادئ ومؤهلات، وعلينا أن نستحضر المثال الذي ساقه هيرسكوفيتز Herskovits حين أشار إلى “عبور راشد طريق شديدة الازدحام” وكيف يمكن أن نلمس هذه الصعوبة حين نرافق طفلا صغيرا.

4)     التطور المبدئي في مجال تعدد الكتاب ودوره الهام في تزويد الممارسة التربوية بالوسائل النظرية والمنهجية الضرورية لمسايرة المحيط الاجتماعي المتطور.

إن ما نوده هي أن تكون هذه المؤشرات الإيجابية القوية التي يحفل بها مشهد التربية والتكوين حاليا أدلة دامغة على طي سلبيات المراحل السابقة وتجاوز العثرات الراهنة.

ولتحقيق هذا نحن نعتقد في قيام دراسات يطبعها نضج نقدي كبير، نظريا وتطبيقيا، والخروج بالتالي من هفوات الدراسات الشعاراتية ومعياريتها المرتفعة في الدراسات الحالية المصاحبة وإعادة التوازن المفقود في الخطاب النقدي التربوي بين ما هو سلبي وبين ما هو إيجابي، والبحث بالتالي عن كيفية جعل الطبقة التربوية تتفاءل، لأنه، وحتى نفكر في الآن لا ينبغي نسيان الماضي بل الاستفادة منه، ومثالنا سنة 1968 في فرنسا حين كان التعليم والثورة الطلابية عاملا أساسيا في قلب التفكير الفرنسي.

وكما يعرف الجميع ليس هناك تجربة من دون أخطاء، لكن إذا كان مثلا “أخطاء الطب يسترها التراب فإن أخطاء تجربة التربية والتكوين يكشفها النقد”.

ولأهمية الموضوع ينبغي أن تكون هذه الأخطاء بسيطة لأنه قد يتحملها جيل بل أمة بكاملها.

قد يقال، لا يقل اهتمام كثير من دارسينا بهذا الباب من البحث شأنا من الاهتمام بالتعليم، وبقضايا التعليم، كما تجلت في مظانها إن لم يتجاوزه من بعض الجوانب.

لكننا نزعم أن ما يجمع أصحاب هذا الاتجاه المعني بدراستنا هو أن مجال التربية والتكوين يستقطب فعلا اهتمامهم، لكن من دون إعادة قراءته بالاستعانة بما تمدهم به المناهج الحديثة –السوسيولوجيا- علم النفس- الألسنية… من أدوات بحث مستجدة، إذ لم تمثل هاجسهم ولا غاية ما يستهدفونه من بحوثهم مهما اختلفت المنطلقات وتنوعت المسالك المؤدية إلى ذلك، وفي هذا المجال تكمن الصعوبة وتدق مسالك البحث ودروبه.

إن الأشكال في تلك الإسهامات، مصدره أن الإجابة عن أسئلة التعليم لا تكون أبدا بريئة، وقد لا يجوز أن تكون كذلك لأن الدارس ينطلق في مقاربته من موقعه الثقافي والإيديولوجي وعلى الأخص الوظيفي (من الوظيفة التي يشغلها داخل إطار التعليم) ومن ثم فإنه، ومهما تنوعت هذه المقاربات أو اختلفت بتنوع المواقع واختلاف منطلقات الدارس الفكرية ومصادره النظرية، فإنها تحتفظ على –ونظرا للطابع الوظيفي لصاحبها- الإطار العام.

ولنا مرجع في الكتابات التي تناولت المرحلة الانتقالية من التدريس بالأهداف إلى التدريس بالكفايات خير دليل، حيث أطلعتنا/أتحفتنا الكتابات وبغزارة على قصور التدريس بالأهداف وعلى دينامية التدريس بالكفايات مع أنه في السابق لم تكن قط حاضرة ولو إشارة إلى هذا القصور الشيء الذي يجعل إرادة الشك واردة ليس لأن ذلك من سنن التقدم العلمي، ولكن لمدرسية النقد المعني، مما يعني أن هذه الكتابات النقدية المصاحبة، لا تمارس دورها النقدي المستقل بقدر ما تصبح كتابات “وظيفية” تنهج الخطاب المدرسي الضيق الذي يعمل على تنظيم ما تناثر ورصف ما تداخل، فيفوت عليها المساهمة في تطوير الممارسة التعليمية/التعلمية.

وعلى هذا يكون المقصود ليس ردودا نقدية متحمسة أو ذات طابع إيديولوجي، فهي كثيرة، تملأ ساحتنا النقدية، لكن المقصود هو النظرة الهادئة المتزنة الباحثة عن سبيل المعرفة حيثما يكن مأتاها ومصدرها، فحاجتنا إلى نقد إيجابي أكيدة نقد يطور الممارسة التربوية في مظانها، ويجعلها بالتالي تمارس تطورها الطبيعي عن طريق نقد ذاتها بذاتها ومساءلة نتائجها على الدوام.

–       إن المسؤولية تزداد ثقلا بحكم ما يبدو لنا من خلو الساحة التعليمية من هذا النقد أو ضموره، لأسباب عدة، ليس أقلها حضورا وتأثيرا ما فطرنا عليه من تعفف البعض، وامتناع أو تهرب البعض الآخر من الجهر بحقائقنا ومكاشفة أنفسنا.

فما أحوجنا إذن إلى قيام موائد بين المنتج (منتج الكتاب، الجهة المعينة بقبوله) والمستهلك (المدرس/المفتش/الإداري/الأب…) ومقارعة الحجة بالحجة. فذاك وحده الكفيل بصقل المفاهيم وشرط الترقي في مدارج العلم والمعرفة حيث الهدف كما يقول رولان بارث R.Barth ليس الحقيقة وإنما مدى الإفادة.

–       ونحن حينما ندعو إلى استنهاض النقد كممارسة تربوية فذلك لاعتبار الحوار النقدي يمكن أن ينقي الفكرة وينقحها، نظرا لأهميته في أية عملية تجديد، ذلك أنه وبالرغم مما تحاول النظرية تأكيده أو توفره للإفادة في حل القضايا والمناهج وطرق التدريس، فإنه لا يفوتنا أن نذكر أن التطبيق ذاته يساعد هذه النظرية على طرح ومعالجة المشاكل وفق تأثير متبادل.

–       والحديث عن النقد والتطبيق يجرنا أيضا إلى الحديث عن السيد المدرس وعن دوره في أن يضع متن Corpus تدريسه على مائدة النقد والتمحيص، أو أن يضع على الأقل بعض الافتراضات والآراء التي تتغيى تحسين أساليب التدريس أو تعديلها بحسب الظروف المستجدة، إذ أن الوجه السلبي في هذه العملية هو أن يتلقى هذا المعني “المتن” من دون أن يثير فيه ردودا نقدية ما.

والنقد عموما بما هو أداة/بوصلة تصحيح يظل عملية ضرورية بل وملحة، فإننا نطالب بنقد شامل، نقد لما يلاحظ من نمو للانحراف الاجتماعي من حيث هو شيء غير مقبول، والنظرة الوليدة التي أصبحت ترى فيه – ولظروف معروفة- فعلا مقبولا، ذلك أنه وفي ظل المناخ الاجتماعي السائد أصبح الانحراف حقيقة اجتماعية بل أضحى موضوعا للدرس والتكييف القانوني كما هو ملحوظ في نمو العلاقة بين المعرفة الطبية والقوة القانونية.

      فالغش كمظهر من مظاهر هذا الانحراف، مرفوض في كل زمان ومكان لكنه أصبح من “المنظور الاجتماعي” وسيلة/أداة لنشأة “أقوياء” وهو لهذه الصفة انطلى على كل فئات المجتمع ولم يسلم منه كما قال م.فوكو سابقا حتى “العلماء” لأنهم كما يقول هم أنفسهم أعراض العلة ودوائها في آن، ذلك لأنهم كما يقول يخلقون المعارف واللغات ويستخدمون القوة التي يدعمون بها الانحراف الذي انطلقوا أصلا للقضاء عليه.

      فهل يجب تجنب الأشكال التقليدية في العلاج (العقاب)؟؟ هل يجب صياغة أشكال جديدة لمعالجة السلوكات المشينة نستفيد فيها من فلسفة الإنصاف والمصالحة؟؟

      إن الخلاصة الأساسية التي نعتبر أن هذا المقال يجادل فيها هي الفلسفة الإصلاحية التي يعيش عليها المغرب، باعتبارها البيئة الحاضنة للتربية والتكوين، إذ لا ينبغي الحكم على عمل تفصيلي دون وضعه في إطاره العام، وباعتبارها أيضا فلسفة مفرطة في الطموح ومفتقرة إلى الجد.

      إن الإصلاح باعتباره سيرورة تدرجية، لابد وأن يكون شموليا مبنيا على خطوات متدرجة، وانتقالية مترابطة فيما بينها، وأيضا على ضوابط كفاياتية مضبوطة ومراهن عليها.

      وإذا صح هذا الفهم، فإن إصلاح مجالات التربية والتكوين، لن تنجح ما لم تسر بخطى متوازية مع إصلاح مجالات أخرى بالضرورة.

      إن الإصلاح ليس الثورة، ومع ذلك فهو طريق نحو التنمية شريطة أن يحصل اقتناع بهذه الفلسفة لدى الإفراد والجماعات والجمعيات وبخاصة المؤسسات.

         فإلى أي حد مثل الإصلاح الحالي للتربية والتكوين تغييرا جوهريا في تربية وسلوك الأفراد والجماعات والمؤسسات أم أنه انقاد بدوره وخضع للجيوب المقاومة لفكره ومبادئه، سؤال قد يكون عند البعض سابق لأوانه، لكنه يرتبط بسؤال خطير هو أي تعليم نريد؟؟

هذه المقالة تعبر عن رأي كاتبها

Advertisements